يعيش المشهد الإعلامي في تونس اليوم حالة من الرداءة لم يسبق لها مثيل وبات خطر اغتيال السلطة الرابعة وشيكا خاصة في ظلّ تصدّر خرّيجي الانستغرام والممثلين والتيكتوكارات وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة.
ظاهرة الاستعانة بكلّ من هبّ ودبّ لتقديم محتوى اعلامي يؤثّر على الرأي العام خلقت فجوة بين المواطن التونسي البسيط والصحفيين لاعتقادهم أنّ هؤلاء “الدخلاء” يمثلون الاعلام وتتلمذوا على يد أساتذة معهد الصحافة وعلوم الاخبار: إلاّ أنّ الحقيقة غير ذلك تماما.
البحث عن “البوز”
إنّ أغلب الأسماء المتصدّرة للمشهد الإعلامي اليوم يبحثون فقط عن اثارة “البوز” عن طريق الاسفاف والابتذال لحصد أكبر نسب مشاهدة بغضّ النظر عن المحتوى، مشهد إعلامي يرثى له جعل من الحمقى الفاقدين للمؤهلات العلمية والثقافية مشاهير يبدون آرائهم في الشأن العام ويحظون بصفة “اعلاميين” على حساب عشرات من الكفاءات من خريّجي معهد الصحافة وأهل الاختصاص.
إنّ الصحفيين أبناء القطاع الذين أفنوا سنوات من حياتهم بين الدراسة والعمل مقابل أجر زهيد دون تغطية اجتماعية دون ترسيم دون امتيازات مجبرون اليوم على العمل ضمن فريق هؤلاء “الدخلاء” فقط من أجل كسب ملاليم مقابل حصول دخيل لا يفقه شيئا من أبجديات العمل الصحفي آلاف الدينارات.
والسؤال الأهمّ: لماذا تستباح مهنة الصحافة دون غيرها من المهن؟ لماذا لا نجد دخلاء في المهن الأخرى؟ هل نستطيع نحن الصحفيون مزاولة مهنة المحاماة أو الطبّ أو غيرها دون الحصول على مؤهّل علمي؟
من المسؤول: أصحاب القرار أم الجمهور؟
ان اعتماد أغلب القنوات التلفزية والاذاعية على محترفي الرداءة سياسة ممنهجة من قبل أصحاب المال الذين يبحثون بالأساس عن الكسب المادي وتحقيق أكبر نسب المشاهدة بغضّ النظر عن المحتوى الذي يقدّم للعموم، لذلك تقع المسؤولية الرئيسية على أصحاب سلطة القرار الذين ساهموا في ترويج الفضائح والإساءة الى أخلاقيات الصحافة.
وفي المقابل يجب الإقرار أنّ الجمهور ساهم بشكل أو بآخر في تواجد هؤلاء الفقاعات من خلال مشاهدتهم على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي حتى لو كانوا غير راضين عن المحتوى، فكلّ نقرة زرّ أو تعليق يرفع في نسبة المشاهدة.
تجربة شخصية
أنا اليوم وبعد مرور أكثر من 10 سنوات على حصولي على الاجازة والماجستير في الصحافة أجد نفسي دون عمل دون أجر دون ضمانات للمستقبل شأني شأن عشرات الزملاء، وأكاد أجزم أنّ سنوات الدراسة بمعهد الصحافة باتت نقمة وليست نعمة لأنّ الميدان الإعلامي بات مرتعا للدخلاء وفرص الحصول على عمل تحسم إمّا في جلسات مشبوهة أو بتدخّلات من أصحاب القرار ولا علاقة لها بالكفاءة ولا الخبرة ولا بالشهادات.
ونصيحة أسديها لنفسي ولكلّ خرّيج من معهد الصحافة، ولو أنّ هذا القرار جاء متأخّرا، علينا البحث عن حرفة أو تكوين في أيّ مجال يكسّب المال لأنّ شهادتنا للأسف لا تسمن ولا تغني من جوع.
إنّ أزمة الصحافة في تونس اليوم لا تقتصر فقط على الحدّ من الحريات والايقافات المتواصلة في صفوف الصحفيين ولا الصعوبات المالية ولا الرقابة على وسائل الاعلام، بل تجاوزت ذلك لنجد كلّ من هبّ ودبّ يمارس مهنة الصحفي بابتذال وجهل بأبسط قواعد العمل الميداني.
وحتى ننقذ ما يمكن إنقاذه يجب على النقابة الوطنية للصحفيين الضغط على المؤسسات الإعلامية لانتداب خرّيجي معهد الصحافة وعلوم الاخبار في مرحلة أولى، والعمل مع مؤسسات الدولة على توفير مواطن شغل للكفاءات في مرحلة ثانية.
أميرة الشارني
