الوطنيةحكايات الناسكلمة حرة

حين تصبح المسافة سببا لتأجيل العلاج … نساء الريف يدفعن ثمن بُعد الخدمات الصحية

تحقيق صحفي للصحفية يسرى رياحي

«أنا خسرت أربعة صغار، ما سأحكيه لك هو قطرة ماء من بحر».

بهذه الكلمات المؤلمة استهلت «أمينة» (اسم مستعار) حديثها عن معاناة سكّان الأرياف في المناطق الداخلية مع الوصول إلى الخدمات الصحية.

في الخامسة صباحا، كانت تستيقظ قبل بقية أفراد أسرتها في منزلها الريفي بمعتمدية ‘الشراردة’ من ولاية القيروان. لم تكن تستعد للذهاب إلى العمل أو السوق، بل كانت تستعد لرحلة قد تنتهي قبل أن تبدأ: رحلة البحث عن الرعاية الصحية.

وضعت بطاقة العلاج في حقيبة صغيرة وانتظرت أن يسمح لها زوجها بالخروج. كان يعلم أنها تحتاج إلى متابعة صحية، لكنه كان يرى أن التنقل إلى المدينة «ليس ضروريا»، في ظل مصاريف النقل وبُعد مقر سكنهم عن الطريق الرئيسي الذي تمر منه وسائل النقل الريفي.

تقول أمينة إن الأمراض كثيرة ومتعددة في منطقتها، لكن الوصول إلى المراكز الصحية بات شبه مستحيل. وتروي: «لا نجد نقلا ريفيا للوصول إلى مركز العلاج، وحتى إن وصلنا إلى مستوصف، لا نجد به قابلة، بعد أن نكون قد قطعنا كيلومترات. ومع كل هذا التعب والإرهاق الجسدي والنفسي، نفقد أطفالنا أثناء الحمل».

ولا تتوقف معاناة النساء عند صعوبة الوصول إلى المتابعة الصحية. فقد نقلت أمينة لنا قصة جارتها التي لم تُرزق بطفل لمدة سبع سنوات، قبل أن تحمل وتنتظر مولودها بفارغ الصبر. لكنها فقدت جنينها في الطريق إلى المستشفى.

تقول أمينة: «جارتي ناب عليها ربي بصغير، وتستحق الراحة، وعليها أن تقوم بكل التحاليل اللازمة وأن تواظب على مواعيد فحص الجنين. وفي كل مرة تذهب فيها إلى موعد لتفقد الجنين، تعود مرهقة. ويوم ولادتها، مسكينة، بدأت تصرخ من شدة الألم، ولم نجد وسيلة نقل لنقلها إلى المستشفى. وحين تمكنا من توفير وسيلة نقل، توفي جنينها في الطريق».

 

أين اختفت القوافل الصحية؟

«بصراحة، رجعولنا القوافل الصحية ورجعولنا السيارات التي تزور الناس في بيوتهم».

بهذه الكلمات تستعيد أمينة ما تعتبره إحدى أهم الخدمات التي كانت تصل إلى سكان المناطق الريفية بدل أن يضطروا إلى قطع المسافات بحثا عن العلاج. فقبل أكثر من عشرين عاما، كانت السيارات والفرق الصحية المتنقلة تصل إلى عدد من الأرياف والتجمعات السكانية التي يصعب على سكانها الوصول بانتظام إلى المراكز الصحية.

في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، كانت الفرق الصحية المتنقلة تمثل حلقة أساسية في ربط المناطق الريفية والنائية بالمنظومة الصحية. وكانت تتنقل إلى التجمعات السكانية التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الهياكل الصحية، فتقدم للنساء خدمات متابعة الحمل وما بعد الولادة وتنظيم الأسرة، كما تؤمّن للأطفال خدمات التلقيح وتساهم في الكشف المبكر والتثقيف الصحي.

لم تكن أهمية هذه القوافل مرتبطة فقط بالخدمات التي تقدمها، بل أيضا بقدرتها على نقل الخدمة الصحية إلى المواطن بدل انتظار وصوله إليها. فقد كانت تخفف عن السكان أعباء التنقل وتكاليفه، وتوفر للنساء، خصوصا في المناطق الريفية والنائية، فرصة للحصول على الرعاية الصحية بالقرب من أماكن إقامتهن.

لكن هذه الخدمات المتنقلة تراجعت تدريجيا مع مرور السنوات، في وقت لم تتراجع فيه الحاجة إلى الرعاية الصحية في المناطق الداخلية. وبقيت الفجوة في توزيع الخدمات قائمة، لتجد النساء أنفسهن أمام معادلة أكثر صعوبة: مراكز صحية بعيدة، وسائل نقل محدودة، وخدمات لا تتوفر دائما عند الوصول.

وهنا يبرز السؤال الذي تطرحه قصة أمينة بوضوح: إذا كانت الحاجة إلى تقريب الخدمات الصحية ما تزال قائمة، فما الذي حدث للقوافل الصحية التي كانت تصل إلى هذه المناطق؟ وهل يمكن للمنظومة الصحية أن تضمن حقا متساويا في الصحة إذا كان الوصول إلى الخدمة نفسه يمثل عائقا أمام المواطن؟

لا يتعلق الأمر فقط باستعادة خدمة من الماضي، بل بإعادة التفكير في الطريقة التي تصل بها الرعاية الصحية إلى الفئات التي يصعب عليها الوصول إلى الهياكل القائمة، خاصة النساء في المناطق الريفية والنائية.

عندما تصبح المسافة جزءا من المشكلة الصحية

ما ترويه أمينة لا يبدو مجرد تجربة فردية. فالمسألة تتجاوز وجود مركز صحي أو مستشفى على الخريطة، لتطرح سؤالا أكثر جوهرية: هل يمكن اعتبار الخدمة الصحية متاحة فعلا إذا كان الوصول إليها يتطلب قطع عشرات الكيلومترات وتحمل كلفة النقل والانتظار؟

تكشف المعطيات التي تحصّلنا عليها من الديوان الوطني للأسرة و العمران البشري، عن فجوة بين وجود خدمات الصحة الإنجابية من جهة، والقدرة الفعلية على الوصول إليها من جهة أخرى. فقد تراجع استعمال وسائل تنظيم الأسرة في تونس من 63 بالمائة سنة 2012 إلى 54 بالمائة سنة 2023، كما تراجعت خدمات الصحة الإنجابية من 821,454 خدمة سنة 2015 إلى 753 ألف خدمة سنة 2023.

وتكشف قراءة في البيانات المسجلة بين 2015 و 2023  والتي نشرها المعهد الوطني للإحصاء استنادا لتقارير الديوان الوطني للأسرة و العمران البشري، عن تراجع واضح في عدد عيادات متابعة النساء قبل الولادة وبعدها. فقد انخفض عدد عيادات ما قبل الولادة من 588 ألفا و275 عيادة سنة 2015 إلى 290 ألفا و722 عيادة سنة 2023، فيما تراجعت عيادات ما بعد الولادة من 99 ألفا و281 عيادة إلى 49 ألفا و587 عيادة خلال الفترة نفسها.

في حين تراجعت عيادات ما بعد الولادة من 99 ألفا و281 عيادة إلى 49 ألفا و587 عيادة خلال الفترة نفسها، أي بنسبة تقارب 50.1%. ولا يقتصر الأمر على انخفاض الأرقام الإجمالية، بل تكشف البيانات عن مسار تنازلي مستمر، مع تسجيل تراجع أكثر وضوحا بداية من سنة 2020، إذ انخفضت عيادات ما قبل الولادة من 470 ألفا و378 سنة 2019 إلى 359 ألفا و192 سنة 2020، بينما تراجعت عيادات ما بعد الولادة من 82 ألفا و458 إلى 58 ألفا و609 خلال الفترة نفسها

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تحكي كل القصة. فهي لا تقيس عدد النساء اللواتي لم يصلن أصلا إلى المركز الصحي، ولا كلفة النقل، ولا ساعات الانتظار، ولا الوقت الذي تضطر المرأة إلى خسارته من أجل موعد طبي، ولا العوامل الأسرية والاجتماعية التي قد تحول دون مغادرتها منزلها.

 

«يقول لها زوجها: لا مال لدينا لتذهبي»

إلى جانب الجغرافيا وكلفة التنقل، تواجه بعض النساء عائقا آخر لا يقل أهمية: ‘القدرة على اتخاذ قرار الذهاب إلى الطبيب’.

تقول «منجية»، وهي أم لطفلين تقطن بمنطقة المويسات التابعة لمعتمدية الشراردة من ولاية القيروان: «إذا كانت امرأة متزوجة وتريد أن تذهب إلى مركز الصحة لتتفقد حملها، يقول لها زوجها: إلى أين أنت ذاهبة؟ لا مال لدينا لتذهبي. وإذا كانت فتاة في منزل عائلتها، يمنعها والدها أو أخوها من الذهاب إلى مركز الرعاية الصحية».

وتوضح أن الفتاة قد تُمنع من الذهاب إلى الطبيب للعلاج أو للاطمئنان على صحتها، كما قد تواجه المرأة المتزوجة الموقف نفسه، وتسمع عبارات من قبيل: «أنتِ لستِ أفضل من النساء اللاتي أنجبننا سابقا في المنزل، فهن لم يتلقين علاجا، وها نحن قد وُلدنا ونتمتع بصحة جيدة».

هكذا تتداخل المسافة مع الفقر وسلطة الأسرة والأدوار الاجتماعية لتجعل الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء والفتيات في بعض المناطق الداخلية.

 

حين لا تكون المسافة مجرد كيلومترات

نجت منجية نفسها من الموت بعد أن لدغتها عقرب في قدمها اليمنى. لكنها لم تجد وسيلة تنقل إلى مستشفى الشراردة، وبقيت لساعات في انتظار من يقلها.

وحين تم إسعافها، وُضعت لها كمادات، ثم نُقلت على جناح السرعة إلى مستشفى ولاية القيروان، بعدما كان سم العقرب قد وصل إلى قلبها. ولحسن حظها، تمكن الأطباء من تدارك حالتها.

تعيش منجية اليوم مع مرض مزمن في القلب وتحتاج إلى تناول الدواء بانتظام. لكن تجربتها تكشف جانبا آخر من المشكلة: عندما تكون وسيلة النقل غير متوفرة، لا تعود المسافة مجرد عائق أمام موعد طبي، بل قد تصبح عاملا حاسما في الاستجابة لحالة طارئة.

فجوة صحية بين الجهات

تطرح هذه الشهادات سؤال العدالة الصحية في تونس، خصوصا في المناطق الريفية والداخلية التي تواجه نقصا في بعض الموارد والخدمات وصعوبات أكبر في الوصول إلى الهياكل الصحية.

يكشف تحليل الخريطة الصحية لسنة 2023 عن تحديات مرتبطة بالتفاوت في الكثافة الطبية، مما يستوجب سياسات تدخلية لتحقيق التوازن الجهوي. فبينما تتركز الموارد البشرية والهياكل المتقدمة في الجهات الساحلية (تونس الكبرى والوسط الشرقي)، تبرز حاجة ملحة لسد الثغرات في الجهات الداخلية (الشمال الغربي والوسط الغربي). إن العمل على “تقليص الفوارق بين وداخل الجهات” يظل الأولوية القصوى لإدارة السياسات الصحية، وذلك لضمان تكافؤ الفرص في الحصول على الرعاية الصحية النوعية بغض النظر عن الموقع الجغرافي للمواطن.

فالخدمة الصحية المجانية لا تكون متاحة فعليا لمن لا يستطيع تحمل كلفة الوصول إليها، أو لمن يضطر إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن طبيب أو قابلة، أو لمن يجد نفسه أمام مركز صحي لا تتوفر فيه الخدمة التي يحتاج إليها.

الحق في الصحة لا يتوقف عند باب المستشفى

لا تتعلق مسألة الوصول إلى الخدمات الصحية بتوفير المستشفيات والمراكز الصحية فقط، وإنما بقدرة المواطن على الوصول إليها فعليا وفي الوقت المناسب، وهو ما يجعل البعد الجغرافي وكلفة التنقل وتوفر وسائل النقل جزءا من النقاش حول العدالة الصحية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العدالة الصحية لا تعني فقط توفير الخدمة، وإنما إزالة الحواجز التي تمنع الناس من الوصول إليها، سواء كانت جغرافية أو اقتصادية أو اجتماعية. ويشير تقريرها العالمي حول عدم المساواة الصحية إلى أن الفوارق في الصحة ترتبط ارتباطا وثيقا بدرجات الحرمان الاجتماعي ومستويات التمييز، وأن المكان الذي يولد فيه الإنسان ويعيش ويعمل ويشيخ فيه يؤثر بشكل كبير على صحته ورفاهه.

وبالنسبة إلى النساء في المناطق الريفية والنائية في تونس، فإن هذه الفكرة تكتسب بعدا ملموسا؛ فالمسافة التي تفصل المرأة عن المركز الصحي، وكلفة التنقل، وصعوبة العثور على وسيلة نقل، ونقص بعض الخدمات والموارد البشرية، قد تتحول جميعها إلى حواجز فعلية تحول دون حصولها على الرعاية الصحية في الوقت المناسب.

ولا يقف الحق في الصحة عند الاعتراف به في المواثيق الدولية، بل يحظى أيضا بحماية دستورية في تونس. وينص الفصل 43 من دستور 2022 على أن «الصحة حق لكل إنسان»، ويلزم الدولة بضمان الوقاية والرعاية الصحية وتوفير الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.

”الصّحة حقّ لكلّ إنسان.

تضمن الدّولة الوقاية والرّعاية الصّحيّة لكلّ مواطن، وتوفّر الإمكانيّات الضّروريّة لضمان السّلامة وجودة الخدمات الصّحيّة.

تضمن الدّولة العلاج المجانيّ لفاقدي السّند، ولذوي الدّخل المحدود. وتضمن الحقّ في التّغطية الاجتماعيّة طبق ما ينظّمه القانون”

كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية. ولا يعني ذلك مجرد وجود مؤسسات صحية على الخريطة، وإنما يفترض أن تكون الخدمات الصحية قابلة للوصول إليها فعليا، دون تمييز وبما يضمن تكافؤ الفرص في الانتفاع بها.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال لا يعود فقط: هل توجد خدمة صحية؟ بل يصبح: هل تستطيع المرأة التي تعيش في قرية نائية الوصول إليها عندما تحتاجها؟

وهنا تلتقي النصوص القانونية والمبادئ الدولية مع ما ترويه النساء في المناطق الداخلية؛ فبالنسبة إلى أمينة ومنجية، لم تكن المشكلة في غياب الحق في الصحة على الورق، وإنما في صعوبة الوصول إليه على أرض الواقع.

UNFPA: تقريب الخدمة الصحية من المواطن

تؤكد مسؤولة برنامج الصحة الجنسية والإنجابية بصندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس، رحاب البليدي، أن العامل الجغرافي والبعد عن الهياكل الصحية لا يزالان من أبرز التحديات التي تؤثر في تكافؤ الحصول على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأم والوليد بين مختلف الجهات والمناطق، وفق نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات (MICS 2023).

وترى البليدي أن معالجة هذه الفوارق لا تقتصر على تقريب الخدمات ماديا، وإنما تتطلب أيضا تعزيز المنظومة الصحية وتطوير قدرتها على ضمان حصول جميع النساء على خدمات صحية ذات جودة، بصرف النظر عن مكان إقامتهن.

وفي هذا الإطار، ساهم صندوق الأمم المتحدة للسكان في دعم الحملة الوطنية لصحة الأم التي أطلقت في ماي 2026، والتي اعتمدت على الوحدات الطبية المتنقلة والقوافل الصحية والأنشطة الميدانية للوصول بالخدمات إلى أكثر من 33 ألف امرأة.

وتعكس الحملة، وفق البليدي، توجها يقوم على الانتقال بالخدمة الصحية إلى المواطن، بدل انتظار قدرته على الوصول إليها، كما مثلت مبادرة هدفت إلى حشد وتوحيد جهود مختلف الفاعلين حول قضية صحة الأم، من المنظمات الأممية والجمعيات المهنية، ومن بينها جمعيات القابلات، إلى جانب الاتحاد الوطني للفلاحة والفاعلين المحليين.

ولا يقتصر عمل الصندوق على المبادرات الميدانية، إذ يعمل حاليا على إنجاز دراسة تقييمية حول عرض خدمات الرعاية قبل الولادة وبعدها على مستوى خط الرعاية الصحية الأساسية، بهدف فهم أسباب وظروف تراجع الإقبال على الاستشارات قبل الولادة وبعدها، وتحليل واقع عرض هذه الخدمات، بما يسمح بتحديد مجالات التحسين والتدخل على أساس الأدلة والمعطيات.

لكن معالجة الفوارق في الوصول إلى الخدمات تتطلب، وفقها، العمل على جملة من الأولويات، من بينها تحيين الاستراتيجية الوطنية لصحة الأم والوليد، والاستفادة من نتائج الدراسات والمسوح الوطنية لتوجيه التدخلات نحو المناطق والفئات الأكثر احتياجًا.

كما تبرز الحاجة إلى توحيد ومأسسة أدلة الرعاية والبروتوكولات العلاجية، والاستثمار في بناء قدرات القابلات والإطارات الصحية وتعزيز أدوارهن، خاصة على مستوى الرعاية الصحية الأساسية وخطوط الخدمة الأمامية.

العودة إلى المواطن بدل انتظار وصوله

تكشف تجربة أمينة ومنجية أن مشكلة الوصول إلى الصحة لا تختزل في عدد الأطباء أو عدد المراكز الصحية. فهناك أيضا المسافة، ووسائل النقل، وكلفة التنقل، ونقص بعض الموارد البشرية، والعوامل الاجتماعية التي تحد من قدرة النساء والفتيات على الوصول إلى الخدمة في الوقت المناسب.

ومن هنا، يصبح تقريب الخدمات الصحية من السكان جزءا من الحل، لا إجراءً ظرفيا. ويمكن للفرق والقوافل الصحية المتنقلة أن تلعب دورا مهما في الوصول إلى المناطق التي يصعب على سكانها الانتظام في زيارة المراكز الصحية، بالتوازي مع تحسين البنية الأساسية للمراكز الريفية وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية فيها.

كما يقتضي تقليص الفوارق الصحية التفكير في «كلفة الوصول» نفسها: كم كيلومترا تقطع المرأة؟ كم تستغرق الرحلة؟ كم تدفع مقابل النقل؟ وهل تجد الخدمة المطلوبة عند وصولها؟ وهل تستطيع أصلا اتخاذ قرار الذهاب إلى الطبيب؟

هذه الأسئلة لا تظهر دائما في الإحصائيات، لكنها تظهر بوضوح في قصص النساء.

الطريق الذي لا ينبغي أن يكون حاجزا

في الشراردة، لا تبدو المسافة مجرد رقم على الخريطة.

بالنسبة إلى أمينة، كانت المسافة تعني رحلة شاقة للبحث عن متابعة صحية، ولجارتها انتهت رحلة البحث عن المستشفى بفقدان جنينها. وبالنسبة إلى منجية، تحولت صعوبة العثور على وسيلة نقل إلى ساعات انتظار في حالة طارئة كادت أن تودي بحياتها.

لهذا، فإن ضمان الحق في الصحة لا يبدأ فقط من باب المستشفى، بل من الطريق المؤدي إليه.

فالمرأة التي تعيش في قرية نائية لا ينبغي أن تكون فرصتها في الحصول على الرعاية الصحية رهينة ببعد منزلها عن المدينة، أو توفر سيارة للنقل، أو قدرتها على دفع تكاليف الرحلة، أو موافقة أحد أفراد أسرتها.

حين تصبح المسافة سببا لتأجيل العلاج، أو تفويت موعد، أو فقدان فرصة للوقاية والمتابعة، فإن المشكلة لم تعد في بُعد المستشفى فقط، بل في مدى وصول الحق في الصحة إلى صاحبه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى