بين قرار الاحتفاظ والإجهاض.. حكايات نساء من أجل الحق في الصحة الإنجابية
مقال للصحفية يسرى رياحي

”كنت فرحة جدا وتوقعت أن يفرح بخبر الحمل ولكن ردّة فعله لم أصدّقها”
لم تكن ‘وفاء’ (اسم مستعار) تعرف أنها حامل… مرّت الأيام كالمعتاد، إلى أن اكتشفت أن شيئا ما تغيّر. في البداية كانت مجرّد شكوك، ثم جاء اليقين ”هناك حمل”.
لم يكن هذا الحمل جزءا من خطتها ولكنها فرحت كثيرا لاستقبال طفلها الأوّل. وعندما أخبرت زوجها، لم تجد أمامها دعما أو استعدادا لمواجهة حمل لم يكن مخططا له. كان موقفه واضحا ”لا يريد الاحتفاظ بالطفل”.
وجدت وفاء نفسها أمام قرار ثقيل، في لحظة تختلط فيها المفاجأة بالخوف والضغط والأسئلة. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد إجراء طبي. كان قرارا يمس حياتها، علاقتها بزوجها، وضعها العائلي ومستقبلها.
تحت ضغط زوجها ورفضه الاحتفاظ بالطفل وجدت وفاء نفسها مجبرة على إجهاض طفلها الأوّل وإجهاض فرحتها بقدومه.
“كنت فرحة جدا وتوقعت أن يفرح بخبر الحمل ولكن ردّة فعله لم أصدّقها وكان شديد اللهجة في لومه وحمّلني مسؤولية الحمل وأكّد لي على ضرورة الإجهاض”.
أجهضت وفاء طفلها الأول تحت ضغط زوجها، واضطرت إلى اتخاذ هذا القرار، بينما فقدت مفيدة توأميها في ظل هشاشة وضعها الاقتصادي والظروف المعيشية الصعبة.
كانت مفيدة، البالغة من العمر 40 سنة، تستعد لاستقبال توأمين. حملٌ كانت تنتظره بفرح، قبل أن ينتهي في الشهر الثالث بالإجهاض. في تلك الفترة، كانت مفيدة تواصل العمل في الفلاحة، في أعمال تتطلب جهدا بدنيا متواصلا، رغم علمها بحملها.
ومع غياب مصدر دخل آخر للأسرة، وكون زوجها لا يعمل، واصلت الخروج إلى العمل الفلاحي لتأمين حاجيات البيت، حتى أنهكها التعب وفقدت توأميها.
تروي قصة مفيدة جانبا من الصعوبات التي قد تواجهها النساء الحوامل عندما تتقاطع هشاشة الوضع الاقتصادي مع ظروف العمل المجهدة وغياب الحماية الكافية. فقد كانت تعرف أنها حامل، وكانت تستعد لأن تصبح أماً لتوأمين، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى مواصلة العمل في ظروف شاقة، في الوقت الذي كان فيه زوجها بحسب روايتها، لا يعمل وكان يدفعها إلى الاستمرار في العمل رغم معرفته بحملها. وفي الشهر الثالث، انتهى الحمل بالإجهاض، لتتحوّل فرحة انتظار التوأمين إلى تجربة مؤلمة تركت أثرا عميقا لديها.
من قرار شخصي إلى رحلة مليئة بالعراقيل
تونس كانت من أوائل الدول العربية والمغاربية التي قننت الإجهاض. فقد بدأ ذلك سنة 1965، قبل أن يتوسع الحق سنة 1973 ليشمل النساء، بصرف النظر عن حالتهن الزوجية وعدد أطفالهن، وفق الإطار القانوني المنظم للإجهاض.
وبموجب الفصل 214 من المجلة الجزائية، يمكن إنهاء الحمل اختياريا خلال الأشهر الثلاثة الأولى، داخل مؤسسة صحية أو مصحة مرخص لها، وبواسطة طبيب يمارس مهنته قانونيا. كما يتيح القانون الإجهاض بعد هذه الفترة في حالات صحية محددة.
في النص القانوني، يبدو المسار واضحا. في الواقع، يمكن أن يصبح أكثر تعقيدا.
تونس أقرت منذ عقود حق النساء في الإجهاض ضمن شروط قانونية محددة، بما يجعل الإجهاض جزءا من منظومة الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة. لكن وجود الحق في القانون لا يعني بالضرورة أن الطريق إليه متاح بالسهولة نفسها لكل امرأة.
تتحدث المعطيات التي اعتمد عليها هذا التحقيق عن نقص في بعض أدوية الإجهاض، وعن نساء قد يجدن أنفسهن، عندما يتعذر الإجهاض الدوائي أو ينقضي الأجل القانوني، أمام خيارات محدودة في المؤسسات العمومية. وفي بعض الحالات، يصبح القطاع الخاص خيارا آخر، لكن الكلفة يمكن أن تتحوّل بدورها إلى عائق أمام من لا تملك القدرة على تحملها.
ولا تتوقف الصعوبات عند توفر الخدمة. فالمعطيات نفسها تشير إلى عراقيل أخرى، من بينها محاولة ثني بعض النساء عن الإجهاض، وممارسات إدارية غير منصوص عليها، بينها طلب موافقة الزوج أو الأب، فضلا عن الوصم والعنف اللفظي أحيانا.
وتتجاوز هذه الفجوة مسألة الإجهاض وحدها. فوفق منظمة الصحة العالمية، يتأثر الوصول إلى رعاية الإجهاض الآمنة وفي الوقت المناسب وبكلفة ميسورة بعوامل من بينها الكلفة، والمسافة، والوصم، ونقص المعلومات، إضافة إلى بعض الشروط أو الممارسات التي لا تستند إلى ضرورة طبية.
قبل الإجهاض… أين تبدأ الحكاية؟
قصة وفاء تبدأ عند اكتشاف الحمل، لكن القصة الصحية تبدأ قبل ذلك بكثير.
فالحمل غير المرغوب فيه لا يظهر من فراغ. قد تكون امرأة أرادت تأجيل الحمل أو عدم إنجاب طفل آخر، وقد لا تكون امرأة أخرى حصلت على المعلومات الكافية حول وسائل منع الحمل، فيما قد تواجه ثالثة صعوبة في الوصول إلى الوسيلة التي تناسبها أو إلى مركز صحي يوفرها بانتظام.
ولهذا، فإن النقاش حول الإجهاض يقود بالضرورة إلى سؤال آخر: هل تستطيع النساء في تونس الوصول في الوقت المناسب، إلى وسائل منع الحمل وخدمات تنظيم الأسرة؟
تعتبر منظمة الصحة العالمية تنظيم الأسرة وسيلة تمكّن الأشخاص من تحديد عدد الأطفال الذين يرغبون في إنجابهم والفترات الفاصلة بين الولادات، وترى أن إتاحة وسائل منع الحمل جزء أساسي من القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الصحة الجنسية والإنجابية.
وفي تونس، تعمل مؤسسات الصحة العمومية، وفي مقدمتها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، مع شركاء من بينهم صندوق الأمم المتحدة للسكان، على تأمين وسائل منع الحمل وتحسين سلسلة إمداد منتجات الصحة الجنسية والإنجابية. وقد شمل هذا التعاون العمل على التزويد والتوزيع على المستوى الجهوي، بما في ذلك التعاون بين الصيدلية المركزية التونسية والديوان.
وفي سبتمبر 2026، أوضح الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري أن مخزون وسائل منع الحمل لم ينفد كليا، لكنه شهد نقصا طفيفا تم تجاوزه، مع استمرار التوزيع على الهياكل الجهوية وهياكل الصحة والشركاء. وتكشف هذه المعطيات أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود الوسيلة من عدمها، بل أيضا بقدرة منظومة التزويد على ضمان وصولها بانتظام إلى مختلف الجهات.
وتظهر الفوارق بوضوح أكبر عند النظر إلى بيانات المسح العنقودي متعدد المؤشرات لسنة 2023. فقد بلغت نسبة الاحتياجات غير المُلباة في مجال تنظيم الأسرة 16.1% على المستوى الوطني، لكنها ارتفعت إلى 23.4% في الجنوب الشرقي، وهي أعلى نسبة جهوية وفق المعطيات المتاحة. كما بلغت نسبة النساء المتزوجات في الجنوب الشرقي اللاتي لا يستعملن أي وسيلة لمنع الحمل 53.3%، مقابل 45.9% على المستوى الوطني. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة تلبية احتياجات تنظيم الأسرة بالوسائل الحديثة 58.2% في الجنوب الشرقي، مقابل 69% وطنيا.
الأرقام لا تقول إن كل امرأة في منطقة ريفية تواجه بالضرورة المشكلة نفسها، لكنها تكشف تفاوتا في الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة، وهو تفاوت يكتسب أهمية أكبر عندما نضعه في سياق الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الريفية.
فوفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغ معدل الفقر في الوسط الريفي 24.8% سنة 2021، مقابل 12.7% في الوسط الحضري. كما بلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد في الوسط الريفي 4041 دينارا، مقابل 6141 دينارا في الوسط الحضري.
في مثل هذه الظروف، قد لا تكون المسافة إلى مركز الصحة مجرد مسافة جغرافية. فقد تعني وقتا إضافيا، وكلفة تنقل، والحاجة إلى مغادرة منطقة السكن للحصول على خدمة صحية أو وسيلة لمنع الحمل. وكلما ابتعدت الخدمة، أو لم تتوفر الوسيلة في الوقت المناسب، يصبح الوصول إليها مرتبطا ليس فقط بالحق، وإنما أيضا بالقدرة على الوصول إلى النظام الصحي.
وهنا تكتسب المراكز الصحية الجهوية والقوافل والتدخلات الصحية المتنقلة أهمية خاصة، باعتبارها إحدى الآليات الرامية إلى تقريب الخدمات الصحية من السكان في المناطق الأقل تغطية. كما يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس على دعم إدماج حزمة من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية داخل عدد من الهياكل الصحية وتحسين سلسلة إمداد المنتجات الصحية.
لكن تقريب الخدمة جغرافيا لا يحل وحده كل الإشكالات. فهناك أيضا سؤال المعلومة، والانتظام في التزويد، وتوفر الكوادر الصحية، وطريقة استقبال النساء، وقدرتهن على معرفة حقوقهن والخدمات المتاحة لهن.
وهكذا، قبل أن تصل امرأة مثل وفاء إلى لحظة اكتشاف حمل غير مرغوب فيه، تكون قد قطعت، في كثير من الأحيان، مسارا يبدأ من المعلومة، ويمر بوسيلة منع الحمل، ثم بإمكانية الوصول إلى الخدمة، وينتهي عند القدرة على اتخاذ قرار بشأن الحمل.
وفي هذا المسار تحديدا، تظهر الفجوة بين الحق كما تنص عليه القوانين، والحق كما تعيشه النساء على أرض الواقع.
المشكلة ليست دائما في عدم وجود القانون… أحيانا تكمن المشكلة في عدم معرفة المرأة بالقانون.
فبحسب الاستبيان الميداني الذي أجرته مجموعة توحيدة بن الشيخ بين عامي 2022 و2023، والذي شمل أكثر من 5800 شاب وشابة، لم تكن سوى 45 % من النساء و 26.6 % من الرجال على علم بوجود قانون يتيح الإجهاض، فيما اعتقدت نسبة من المشاركين أن المرأة غير المتزوجة لا يحق لها الحصول على الخدمة.
حين يدخل الوصم إلى غرفة العلاج
تصل المرأة إلى المؤسسة الصحية وهي في وضع هش. قد تكون خائفة، أو مترددة، أو لم تخبر عائلتها بما تمر به، وقد تكون، مثل وفاء، وصلت إلى قرارها تحت ضغط ظروف أسرية لم تخترها كلها.
في هذه اللحظة، يفترض أن تكون المؤسسة الصحية فضاءً للمعلومة والرعاية والحماية. لكن الوصم يمكن أن يجعل التجربة أكثر صعوبة، خصوصا عندما تشعر المرأة بأنها مطالبة بتبرير قرار يتعلق بجسدها وحياتها الخاصة، بدل أن تحصل أولا على المعلومة والرعاية التي يكفلها لها القانون.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوصم المرتبط بالإجهاض يمكن أن يشكل عائقا أمام الحصول على رعاية آمنة ومحترمة، إلى جانب عوائق أخرى مثل الكلفة والمسافة ونقص المعلومات وبعض الإجراءات أو الممارسات التي تحد من الوصول إلى الخدمة.
الإشكال إذن لا يتعلق فقط بـ«هل يوجد طبيب؟»، بل أيضا بـ:
هل تحصل المرأة على المعلومة الصحيحة؟
هل تصل إلى الخدمة في الوقت المناسب؟
هل تعامل باحترام؟
وهل تُترك لها مساحة اتخاذ القرار دون ضغط أو وصم؟
هذه الأسئلة هي أيضا جزء من عمل منظمات وجمعيات تونسية تنشط في مجال الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية.
من بين أبرز هذه الجهات مجموعة توحيدة بن الشيخ للبحث والعمل من أجل صحة النساء، وهي جمعية تأسست سنة 2012 وتضم مختصين وباحثين وناشطين في مجال حقوق وصحة النساء. وتتركز أنشطتها على البحث ونشر المعارف، والتكوين، والمناصرة من أجل الحقوق الجنسية والإنجابية، إضافة إلى العمل على الحد من التمييز القائم على النوع الاجتماعي والعنف، وتعزيز قدرات النساء.
ولا يقتصر عمل المجموعة على التوعية، فقد شاركت في أبحاث ودراسات حول واقع الإجهاض وتطبيق الإطار القانوني، كما تعمل على تدريب العاملين في المجال الصحي وتطوير أدوات تساعدهم على التعامل مع قضايا الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، بما في ذلك الإجهاض.
وفي سبتمبر 2025، عادت المجموعة إلى واجهة النقاش العام، داعية إلى إزالة العراقيل التي تحول دون التطبيق الفعلي للقانون الذي يضمن للنساء في تونس حق الإجهاض منذ سنة 1973. وكان من بين القضايا التي طرحتها الفجوة بين وجود الحق في النص القانوني وبين إمكانية الوصول إليه عمليا.
ويكشف هذا الدور أن مواجهة الوصم لا تبدأ وتنتهي داخل غرفة العلاج. فهي تبدأ أحيانا قبل وصول المرأة إلى المركز الصحي: من حقها في الحصول على المعلومة، ومعرفة الخيارات القانونية المتاحة لها، والوصول إلى خدمة قريبة، ثم الحصول على رعاية لا تقوم على الإدانة أو التخويف.
وتعمل منظمات أخرى، إلى جانب مجموعة توحيدة بن الشيخ، على هذا المستوى الأوسع من الصحة والحقوق والوقاية من العنف. كما تدعم وكالات ومنظمات دولية، من بينها صندوق الأمم المتحدة للسكان، جهودا لتطوير خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وتعزيز قدرات العاملين الصحيين وتحسين استمرارية الخدمات. وفي نهاية 2025، دعّم الصندوق إطلاق آلية وطنية لتنسيق خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في حالات الطوارئ، بمشاركة وزارة الصحة والديوان الوطني للأسرة والعمران البشري وإدارة الرعاية الصحية الأساسية، مع التركيز على البيانات وسلاسل الإمداد وتكوين الموارد البشرية.
لكن بالنسبة إلى المرأة التي تقف أمام باب المؤسسة الصحية، تبقى كل هذه السياسات والبرامج في النهاية مرتبطة بتجربة ملموسة وبسيطة في ظاهرها: هل ستجد من يستمع إليها؟ هل ستحصل على المعلومة التي تحتاجها؟ وهل ستُعامل باعتبارها صاحبة حق، لا باعتبارها موضعا للحكم الأخلاقي؟
ففي المسافة بين النص القانوني وغرفة العلاج، لا تُختبر فقط قدرة النظام الصحي على توفير الخدمة، وإنما أيضا قدرته على حماية كرامة المرأة وحقها في اتخاذ قرار مستنير بشأن حياتها الإنجابية.
من له الحق في اتخاذ قرار الإجهاض وكيف يتمّ؟
”الإجهاض قرار تتخذه المرأة دون أيّ ضغوطات” بهذه الكلمات تؤكّد لنا الدكتورة هالة شلي وهي أخصائية أمراض النساء والتوليد وكانت رئيسة قسم سابقا بمركز الأم و الطفل بتونس، أنّ قرار الإجهاض طوعي وتتخذه المرأة المتزوجة أو الفتاة التي يفوق عمرها 18 سنة دون أيّ ضغوطات.
كما بيّنت أنّ الإجهاض في تونس يخضع لإطار قانوني واضح، مشددة على ضرورة توجه المرأة الراغبة في إنهاء حمل غير مرغوب فيه إلى الطبيب أو المؤسسات الصحية المعنية، وعدم اللجوء إلى ممارسات أو جهات غير مختصة قد تعرض صحتها للخطر.
وأوضحت أن المسار الصحي يبدأ بإجراء فحص سريري للتثبت من وجود الحمل وتحديد وضعه، قبل اختيار الطريقة المناسبة لإنهائه وفق الحالة، مشيرة إلى وجود طريقتين أساسيتين، إما عن طريق الأدوية أو من خلال التدخل الطبي تحت التخدير، وذلك في إطار المؤسسات الصحية المرخص لها.
وشددت الشلي على أن المرأة الراشدة لها الحق في اتخاذ القرار المتعلق بجسدها وحالتها الصحية وفق ما يسمح به القانون، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، داعية إلى ضمان حصولها على الرعاية الصحية اللازمة دون تمييز. وفي سياق متصل، اعتبرت أن الوقاية تظل عاملا أساسيا للحد من حالات الحمل غير المرغوب فيه، داعية إلى تعزيز التوعية بوسائل منع الحمل والتعريف بطرق استخدامها، خاصة في صفوف الشباب، بما يساعد على تفادي اللجوء إلى الإجهاض في حالات كان من الممكن الوقاية منها.
كما شددت على أهمية التربية الصحية والإنجابية منذ سن مبكرة، معتبرة أن الأسرة والمدرسة لهما دور أساسي في تقديم معلومات صحيحة وملائمة حول التغيرات الجسدية والدورة الشهرية والحمل ووسائل الوقاية، بما يساعد على حماية الشباب من المعلومات الخاطئة والممارسات الخطرة.
ودعت في هذا الإطار، خصوصا الأمهات، إلى بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار مع بناتهن، وتمكينهن من طرح الأسئلة المتعلقة بالتغيرات التي تطرأ على أجسادهن والصحة الإنجابية، حتى يتمكنّ من طلب المساعدة الطبية عند الحاجة وتفادي المخاطر الناجمة عن نقص المعلومات أو اللجوء إلى مصادر غير موثوقة.
حين يصبح الحق في الاختيار حقا في المعرفة والحماية
تُظهر قصتا وفاء ومفيدة أن الإجهاض لا يحدث في فراغ، وأن وراء كل تجربة امرأة وظروفا وخيارات وحدودا مختلفة. وبين ضغط اجتماعي أو أسري، وهشاشة اقتصادية، وظروف صحية أو حمل غير مخطط له، قد تجد النساء والفتيات أنفسهن أمام قرارات صعبة، بينما يظل الوصول إلى المعلومة الدقيقة والرعاية الصحية الآمنة عاملا أساسيا في حماية صحتهن وكرامتهن.
لذلك، لا تبدأ حماية النساء من لحظة الإجهاض فقط، بل من حقهن في الحصول على معلومات واضحة وموثوقة حول الحمل، وأنواعه ومراحله، ووسائل منع الحمل وطرق استخدامها، وخيارات الرعاية الصحية المتاحة، بما يمكنهن من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن أجسادهن وحياتهن. كما تظل الوقاية من الحمل غير المرغوب فيه جزءا أساسيا من هذه الحماية، من خلال ضمان الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية دون تمييز أو وصم.
وفي الحالات التي يُتخذ فيها قرار إنهاء الحمل، يظل توفير الإجهاض الآمن وفي إطار القانون مسألة تتصل مباشرة بحماية الصحة والكرامة. ويقتضي ذلك تطبيق القانون كما هو، وضمان حصول النساء والفتيات على الخدمات والمعلومات التي يكفلها لهن، بعيدا عن الوصم والخوف والإهانة.
فحماية المرأة لا تكون بفرض قرار عليها، وإنما بضمان حقها في المعرفة، وفي الرعاية، وفي أن تُعامل بكرامة واحترام، وأن تُصان حقوقها الصحية والإنسانية في كل مرحلة من مراحل حياتها.


