
في السادسة صباحا، تستيقظ أمينة، ليست ساعة منبّه الهاتف هي التي توقظها بل جدول يومي لا ينتهي من ” إعداد الفطور، تجهيز الأطفال، ترتيب البيت، مرافقة والدتها المريضة، ثم العودة لتنظيف ما تبقّى”.
أمينة متحصلة على شهادة جامعية في المحاسبة لكنها لم تعمل يوما، حين سألتُها عن ماهية جلوسها في المنزل وعدم انخراطها في سوق الشغل بالرغم من أنّ اختصاص المحاسبة مطلوب في سوق الشغل، تبتسم وتقول: ‘وقتي كله للعمل المنزلي… لا وقت لي للعمل خارجه’.
أمينة ليست حالة استثنائية، بل تمثّل آلاف النساء في تونس اللواتي يعملن يوميا دون أجر ودون اعتراف.
العمل غير المرئي: اقتصاد قائم داخل المنازل
ما تقوم به أمينة يُعرف اقتصاديا بـ ”العمل غير المدفوع الأجر” أو ”اقتصاد الرعاية”.
تُعرّف لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) والتي تضم 21 دولة عربية منها الدولة التونسية، ‘العمل غير المدفوع الأجر’ أنّه عمل لا يتلقى العامل أي مقابل مالي لقاء إنجازه، وهو أحد أشكال «العمل خارج السوق» الذي ينقسم بدوره إلى قسمين: أولهما العمل غير المأجور ضمن حدود نظام الحسابات القومية، أي إجمالي الناتج المحلي، والثاني هو العمل خارج حدود نظام الحسابات القومية، مثل العمل المنزلي، ورعاية الأطفال والمعالين الآخرين، وإعداد الغذاء للأسرة والمجتمع والأعمال التطوعية الأخرى.
هذه الأعمال رغم أنها ضرورية لاستمرار المجتمع والاقتصاد، لا تُحتسب ضمن الناتج الداخلي الخام ولا تُعتبر ‘عملا’ في الإحصائيات الرسمية.
وفق تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) و’الإسكوا’ فإن النساء في الدول العربية ومن بينها تونس، يقمن بأغلب أعمال الرعاية غير المدفوعة، غالبا بمعدلات تفوق الرجال بعدة مرات، وهو ما يخلق فجوة زمنية حقيقية تمنعهن من الانخراط في العمل المأجور.
أرقام تكشف المفارقة في تونس
رغم التقدم التعليمي للنساء، تكشف بيانات البنك الدولي مفارقة واضحة، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق العمل 26.6 % سنة 2024 مقابل أكثر من 65 % لدى الرجال.
يُمثلن النساء أقل من 30 % من إجمالي القوى العاملة وتُبيّن الإحصائيات أنّ بطالة النساء أعلى بكثير (أكثر من 21 %) مقارنة بالرجال.
هذه الأرقام تعني ببساطة أنّ ثلث النساء فقط حاضرات اقتصاديا رغم أنهن يشكّلن نصف المجتمع.
وفقا للمعهد الوطني للإحصاء، يبلغ عدد السكان في تونس وفقا لعملية التعـداد العـام للسـكان والسـكنى لسنة 2024 ، 11,972,169 نسمة منهم 5906.2 ألف رجل أي بنسبة 49.3 % و 6065.9 ألف امرأة أيّ بنسبة 50.7 %.

كشفت عملية التعداد لسنة 2024 أنّ عدد السكّان العاملين في تونس بلغ 3.682,3 ألف نسمة منهم 2.483,0 ألف من الذكور و 1.199,3 من الإناث وهذا ما يوضّح الفجوة بين وجود الجنسين في سوق الشغل إذ بلغت نسبة الرجال العاملون 67.4 % في حين بلغت نسبة النساء 32.6 %.


حين يتحول المنزل إلى عائق اقتصادي
بالعودة إلى أمينة، لو توفّرت لها خدمات رعاية أطفال أو دعم عائلي، ربما كانت ستعمل لكن الواقع مختلف. تُشير دراسات حديثة حول تشغيل الشابات في تونس (2024) إلى أنّ الأعباء المنزلية ورعاية الأسرة من أبرز أسباب انسحاب النساء من سوق العمل، كما أنّ الزواج والإنجاب غالبا ما يؤديان إلى توقف المسار المهني أو تعطّله.
”لم يكن قرارا سهلا، شعُرت وكأنّ جزءا مني قد توقّف أيضا”، تقول أسماء وهي تُخبرنا عن إحساسها بعد أن قرّرت الانقطاع عن مهنتها كمنسقة مشاريع في جمعية تُعنى بالدفاع عن البيئة والمحيط. تؤكد أسماء أنها أحبّت عملها كثيرا، كانت ترى فيه امتدادا لذاتها وشغفها ولم تتخيّل يوما أنّ زواجها قد يقودها إلى مغادرة المهنة التي تعلّقت بها بهذا الشكل. ورغم أنّ زوجها كان يدعوها دائما إلى الجلوس في البيت والاهتمام بشؤون المنزل، فإنها كانت ترفض ذلك وتتمسك بعملها محاولة التوفيق بين حياتها المهنية والشخصية.
لكن بعد ولادتها لابنتها قمر، تغيّرت المعادلة تماما حيث وجدت نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة وضغط يومي لا يُحتمل، لتشعر في النهاية بأنها مُرغمة على الانفصال عن عملها والتفرغ الكامل لطفلتها ومنزلها. تقول بنبرة هادئة تخفي الكثير من الأسى ”كنت أقاوم فكرة التخلّي، لكني في لحظة ما شعرت أنني لم أعد أملك الخيار”.
وبين حبّها لطفلتها وحنينها لعملها، تعيش أسماء اليوم توازنا هشّا تحاول من خلاله أن تُقنع نفسها بأن ما قامت به كان ضرورة لا هزيمة.
أبرزت تقارير UN Women في تونس أنّ النساء يتحمّلن نصيبا غير متكافئ من الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر، مثل التنظيف والطبخ ورعاية الأطفال وكبار السن، وهو ما يحدّ من قدرتهن على الانخراط الكامل في سوق الشغل أو تطوير مساراتهن المهنية. ويُنظر إلى هذا العبء باعتباره أحد أهم العوائق غير المرئية أمام تحقيق المساواة الاقتصادية بين الجنسين.
تُظهر البيانات أنّ النساء في تونس يقضين حوالي 21.9 % من وقتهن في الأعمال المنزلية والرعائية غير المدفوعة مقابل 2.7 % فقط لدى الرجال، وهو ما يعكس العبء غير المتكافئ الذي تحدّثنا عنه.
وفي هذا السياق، دعت هذه التقارير إلى اعتماد سياسات عمومية تعترف بقيمة هذا العمل غير المدفوع وتدعمه، من خلال توفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار ميسّرة وتطوير إجازات عائلية متوازنة بين النساء والرجال، إلى جانب تشجيع تقاسم الأدوار داخل الأسرة بما يساهم في تخفيف الضغط عن النساء وتعزيز مشاركتهن في الحياة الاقتصادية.
تجارب المقارنة: ماذا تفعل دول أخرى؟
في دول أوروبية مثل السويد وفرنسا، توجد سياسات دعم قوية لرعاية الأطفال وإجازات أبوّة وأمومة متوازنة مع خدمات حضانة مدعومة لتكون نسب مشاركة النساء تتجاوز 50 % (المعدل العالمي أصلً حوالي 51%) في المقابل، نجد أنّ الدولة التونسية تتسم بضعف سياسات التوفيق بين العمل والأسرة مع استمرار سياسة تقسيم الأدوار التقليدي.
البعد الاجتماعي: “واجب” أم خيار؟
أمينة لا ترى ما تقوم به في منزلها كـ”عمل” بل كـ ”واجب” وهنا تكمن المشكلة حيث تتجسّد الثقافة السائدة في تونس على أن ترتبط المرأة بالبيت وتتحمّل أعباء العمل المنزلية والتزاماتها الزوجية وأن تهتم بالأطفال في حين يتمتع الرجل بالرفاهة ويُعفى بنسبة كبيرة من المساهمة في الأعمال المنزلية وتجده يعمل فقط وهذا نتيجة المجتمع الذكوري المهيمن في تونس.
من العمل غير المرئي إلى الخطر المرئي: حين لا يحمي البيت النساء
لا يتوقف ثقل العمل غير المدفوع الذي تتحمّله النساء داخل المنازل عند حدود التهميش الاقتصادي، بل قد يتجاوز ذلك ليصل إلى تهديد مباشر لحياتهن. ففي تونس، تكشف المعطيات الحديثة عن تصاعد مقلق في جرائم تقتيل النساء، حيث بلغ عدد الضحايا 30 حالة سنة 2025، مقابل 26 حالة سنة 2024 و25 حالة سنة 2023، وفق ما رصدته جمعية أصوات نساء. وتشير البيانات إلى أن 62 % من هذه الجرائم سنة 2024 ارتكبها الشريك الحميمي، أي الزوج أو الشريك، مع توسّع دائرة العنف لتشمل أيضا أفرادا من العائلة، بما يؤكد أن الفضاء المنزلي الذي يُفترض أن يكون مجالا للأمان قد يتحوّل إلى مصدر خطر دائم على النساء.
ولا يقتصر هذا الواقع على تونس فقط، بل يندرج ضمن سياق عالمي مقلق. فقد أظهر تقرير مشترك صادر عن UNODC وUN Women أنّ 83 ألف امرأة وفتاة قُتلن عمدا خلال سنة 2025، 60 % منهن على يد شركاء حميمين أو أفراد من أسرهن، أي ما يعادل 137 حالة قتل يومياً. وفي المقابل، لا تتجاوز هذه النسبة 11% لدى الرجال، ما يعكس الطابع الجندري الواضح لهذه الجرائم. وتشير المعطيات أيضا إلى أن القارة الإفريقية تتصدر العالم في معدلات تقتيل النساء، وهو ما يضع تونس ضمن سياق إقليمي يواجه تحديات عميقة. بذلك، يتضح أن النساء اللواتي يعملن داخل منازلهن، رغم تحمّلهن عبء العمل غير المدفوع، لا يفتقدن فقط للاعتراف الاقتصادي، بل قد يجدن أنفسهن أيضاً في مواجهة عنف قد يبلغ حدّ القتل.
ما الذي يجب تغييره؟
قصة كلّ من أمينة وأسماء، تطرح سؤالا بسيطا لكنه عميق ”هل يمكن تحقيق المساواة في سوق العمل دون المساواة داخل المنزل؟”.
الحلول لا تقتصر على التشغيل فقط، بل تشمل الاستثمار في اقتصاد الرعاية (حضانات، خدمات اجتماعية) والعمل على تشجيع تقاسم الأدوار داخل الأسرة مع الاعتراف بالعمل المنزلي كقيمة اقتصادية. هذا يحتاج سياسات عمومية من الدولة تدعم النساء العاملات.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى ما تعيشه أمينة وأسماء على أنّه مجرد “اختيارات شخصية” أو نتائج طبيعية للحياة الأسرية، بل هو في كثير من الأحيان شكل خفي من أشكال العنف الاقتصادي المسلّط على النساء.
حين تُدفع المرأة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى مغادرة عملها أو تُحرم من حقها في الاستقلال المادي بسبب الأعباء المنزلية أو الضغوط الاجتماعية، فإنها تفقد جزءا من قدرتها على اتخاذ القرار والتحكم في مسار حياتها. هذا العنف لا يترك آثارا جسدية، لكنه يقيّد النساء داخل أدوار مفروضة ويعمّق تبعيتهن الاقتصادية. لذلك، فإن تحقيق المساواة لا يمرّ فقط عبر فتح أبواب الشغل، بل أيضا عبر تفكيك هذا الشكل غير المرئي من العنف والاعتراف بأن العدالة تبدأ من داخل المنزل، حيث تتوزع السلطة كما تتوزع الأعباء.
عمل صحفي: يسرى رياحي
تم توليد صورة المقال بالذكاء الاصطناعي




