
في الأخبار، تبدو جرائم تقتيل النساء مجرد أرقام تتكرر في العناوين ”امرأة قُتلت، زوج أطلق النار، شجار انتهى بجريمة” لكن خلف كل رقمٍ حكاية حياة انقطعت فجأة ومسار طويل من العنف كان يمكن أن يتوقف قبل أن يصل إلى نهايته المأساوية…
في تونس، تكشف المعطيات الحديثة عن تصاعد مقلق لمنحى ظاهرة تقتيل النساء، فقد بلغ عدد جرائم تقتيل النساء 30 حالة خلال سنة 2025، مقابل 26 حالة سنة 2024 و 25 جريمة سنة 2023، وفق معطيات جمعية “أصوات نساء”.
أرقام تبدو صغيرة إذا قورنت بعدد السكان، لكنها تحمل دلالة ثقيلة ” الظاهرة تتصاعد عاما بعد عام”.
وفي تصريح لإذاعة إكسبراس أف أم في جانفي 2026، قالت المكلفة بمشروع العنف القائم على النوع الاجتماعي بجمعية “أصوات نساء” أريج الجلاصي إن “عدد جرائم تقتيل النساء يتزايد من سنة إلى أخرى، والأسباب متعددة من بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو من أشد أنواع العنف الذي يستهدف حياة النساء”. وتضيف أنّ “منسوب هذا العنف يتضاعف في ظل ترسانة قانونية غير مفعلة على غرار القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة”.
بدوره، يشير تقرير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لسنة 2025 إلى تسجيل 26 جريمة تقتيل نساء خلال سنة 2024 في مؤشر يعكس استمرار هذه الجرائم رغم الإطار القانوني الذي يفترض أن يوفر حماية أكبر للنساء.
لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة.
حين يصبح العنف اعتيادا
تكشف المعطيات التي رصدتها جمعية أصوات نساء أنّ نسبة 62 بالمائة من جرائم تقتيل النساء سنة 2024 ارتكبها الشريك الحميمي، أي الزوج أو الشريك. غير أن الدائرة اتسعت في السنوات الأخيرة لتشمل أيضا أقارب من العائلة ما يعكس أنّ العنف قد يتحول داخل الفضاء الخاص إلى خطر دائم يهدد حياة النساء.
في كثير من الحالات، لا تبدأ الجريمة برصاصة أو بطعنة، تبدأ غالبا بعنف متكرر”صراخ، ضرب، تهديد، أو شكاوى تتقدم بها الضحية”، ومع مرور الوقت، يصبح العنف جزءا من الحياة اليومية إلى أن يتحول في لحظة ما إلى جريمة قتل.
ويشير مختصون إلى أنّ الجاني في أغلب هذه الجرائم يكون قد اعتاد تعنيف الضحية سابقا، ما يعني أن الجريمة لم تكن حدثا مفاجئا بقدر ما كانت نتيجة مسار طويل من العنف غير المعالج.
قوانين متقدمة… لكنها لا تحمي دائما
على الورق، تبدو المنظومة القانونية التونسية من الأكثر تقدما في شمال إفريقيا. فمنذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، اكتسبت النساء في تونس حقوقا قانونية واسعة مقارنة بعديد الدول.
وفي سنة 2017، عززت الدولة هذا المسار بإصدار القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، وهو قانون شامل يتضمن آليات للوقاية والحماية والملاحقة القضائية.
لكن بين النص القانوني والواقع، مسافة واسعة.
فالعديد من الناشطات في مجال حقوق النساء يعتبرن أنّ المشكلة لا تكمن في غياب القوانين بقدر ما تكمن في ضعف تطبيقها. وفي ظل هذا الخلل، يتحول القانون في بعض الأحيان إلى نص متقدم نظريا لكنه محدود التأثير عمليا.
في قراءة قانونية لهذه الظاهرة، يرى القاضي المختص في حقوق الإنسان عمر الوسلاتي، أن جرائم تقتيل النساء لم تعد أحداثا معزولة بقدر ما أصبحت مؤشرا على خلل اجتماعي أعمق. ففي تصريح لموقع التونسية اعتبر أن هذه الجرائم لم تعد مجرد ظاهرة بل باتت أقرب إلى “اعتياد”، بالنظر إلى تكرار حوادث تقتيل النساء على يد أزواجهن داخل الفضاء الزوجي الذي يُفترض أن يكون المكان الأكثر أمانا للمرأة.
ويضيف الوسلاتي أن النساء أصبحن عرضة للعنف في مختلف الفضاءات، قائلا: “في الشارع هناك مضايقات تتعرض لها المرأة وفي فضاء العمل أيضا تغيب آليات حماية المرأة من التحرش وكل أساليب التنكيل”.
ويربط القاضي هذا التصاعد بما يعتبره تساهلا مجتمعيا مع أشكال العنف الأولى داخل الأسرة، موضحا: “أغلب العائلات لا تُعطي أهمية للخلافات الزوجية التي تتضمن العنف وتعتبره عنف خفيف وتصنفه بسيط أو مجرّد شجار .. الأسرة أو المجتمع يقبل أن تتنازل المرأة على إهانة كرامتها في الفضاء العائلي لتتراكم أحداث العنف لتصل في الأخير إلى التقتيل”.
كما يشير إلى أن الضغوط الاجتماعية كثيرا ما تدفع النساء إلى الصمت، قائلا: “دائما ما يميل المجتمع الذكوري إلى حماية الأسرة والأطفال ويُقال للمرأة المعنّفة لمن ستتركين الأطفال وأحيانا تجد الضحية نفسها دون ملجأ أو مأوى لها فتقبل العنف الخفيف وتقبل الإهانة من أجل أن تربي أطفالها”.
ومن بين الحلول التي يقترحها القاضي لمواجهة هذه الظاهرة، توفير آليات حماية فعلية للنساء المعنفات، من بينها مراكز الإيواء والدعم، حتى لا تتطور حالات العنف إلى جرائم قتل. ويؤكد في هذا السياق: “عملية التقتيل هي تساهل من جميع الأطراف والعنف ناتج عن سلوك مجتمعي تسوده السلطة الأبوية الذكورية يؤيّد العنف تُجاه النساء والأطفال .. مجتمع يتميّز بثقافة إقصائية فوقية تعتبر المرأة كائن ضعيف لا يحق لها التمتّع بحياة كريمة ولا حق لها في المساواة”.
ويشدد الوسلاتي على أن مواجهة الظاهرة تتطلب استجابة جماعية، رغم وجود إطار قانوني مهم في تونس مشيرا إلى أن الإشكال يكمن أساسا في ضعف التطبيق ودعا المؤسسات العمومية مثل المستشفيات ومراكز الأمن والفرق المختصة بالعنف ضد النساء إلى إعطاء أهمية قصوى “للإشعارات الأولية التي يرفعنها النساء المعنفات”. ويضيف: “يجب اعتبار الإشعارات بالعنف بمثابة الإنذار المُبكّر والاعتداءات والخلافات البسيطة يجب أخذها بعين الاعتبار لذلك يجب اليوم كلّ منا من جهته أن نحاول إيقاف نزيف العنف معا”.
حين تعزز الأحكام المخففة شعور الإفلات من العقاب
من بين القضايا التي أعادت طرح مسألة العدالة في جرائم العنف ضد النساء قضية رفقة الشارني، الشابة التي قُتلت برصاص زوجها سنة 2021، وهو عون في سلك الأمن.
في الحكم الابتدائي، قضت المحكمة بسجنه 30 سنة ليتم ترفيعه في الاستئناف إلى أربعين عاما لكن لاحقا تم تخفيض العقوبة بعشر سنوات. بالنسبة للعديد من المدافعين عن حقوق النساء، أعاد هذا القرار طرح سؤال حساس: هل يشعر مرتكبو العنف فعلا بأنهم سيحاسبون على أفعالهم؟
تقول ناشطات نسويات إن بعض الأحكام المخففة أو بطء مسار التقاضي قد يرسخ لدى البعض ثقافة الإفلات من العقاب، وهي ثقافة لا تظهر فقط في المحاكم، بل تمتد إلى المجتمع أيضا.
العنف كمرآة لمجتمع مضطرب
لا يمكن فهم ظاهرة تقتيل النساء بمعزل عن السياق الاجتماعي العام. فالعنف ضد النساء هو جزء من ظاهرة أوسع تتعلق بانتشار العنف في المجتمع ويشير مختصون إلى أن عوامل عدة قد تغذي هذا المسار، مثل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وانتشار بعض الجرائم، بما في ذلك استهلاك المخدرات، إضافة إلى استمرار الصور النمطية التي تضع النساء في موقع هش داخل العلاقات الاجتماعية.
وفي بعض الحالات، لا تكون الضحايا نساء بالغات فقط. فقد سجلت أيضا جرائم طالت فتيات قاصرات في الفضاء العام أو داخل الأسرة، ما يعكس مدى اتساع دائرة العنف.
أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة تزامنا مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، تقرير جرائم قتل الإناث لعام 2025، والذي أظهر أن 83 ألف امرأة وفتاة قُتلن عمدا العام الماضي.
قُتلت 60 % منهن على أيدي شركاء حميمين أو أفراد أسرهن – أي 50 ألف امرأة وفتاة أو ما يعادل 137 حالة قتل يوميا في المتوسط. في المقابل، نسبة جرائم القتل التي ارتكبها شركاء حميمون أو أفراد الأسر بحق الذكور بلغت 11٪ فقط.
وتشير التقارير إلى أن القارة الإفريقية تحتل المرتبة الأولى عالميا في معدلات تقتيل النساء، وهو ما يضع تونس داخل سياق إقليمي يواجه تحديات كبيرة في هذا المجال.
فرغم المجهودات التي تبذلها منظمات المجتمع المدني في تونس، على غرار جمعية ”أصوات نساء” والمنظمة الدولية “صحفيون من أجل حقوق الإنسان”، في رصد حالات العنف المسلط على النساء والفتيات وكشفها للرأي العام، والعمل المتواصل عبر التقارير والحملات التحسيسية والدعم القانوني للضحايا للحد من هذه الظاهرة، فإن المؤشرات ما تزال تدل على تصاعد مقلق للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وخاصة جرائم تقتيل النساء، وهو ما يعكس حجم التحدي القائم والحاجة إلى تدخلات أوسع وأكثر نجاعة على مستوى السياسات العمومية وتطبيق القوانين.
ما الذي يمكن أن يوقف هذه الدائرة؟
أمام تصاعد هذه الجرائم، يدعو فاعلون في المجتمع المدني إلى تبني مقاربات أكثر شمولا ومن بين المقترحات المطروحة من قبل جمعية أصوات نساء، اعتماد خطة وطنية خاصة لمنع تقتيل النساء، كما يشدد ناشطون على ضرورة تكثيف الحملات التحسيسية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والمجتمع المدني، وتفعيل القوانين القائمة بشكل صارم.
لكن قبل كل ذلك، ربما يكمن التحدي الأكبر في تغيير نظرة المجتمع إلى العنف ذاته: أن يُنظر إليه لا كخلاف عائلي عابر، بل كإنذار مبكر لجريمة قد تقع، لأن كل جريمة تقتيل نساء تبدأ عادة بقصة عنف لم يتوقف في الوقت المناسب.
بالفيديو: ملخص المقال في فيديو تفسيري باللغة الفرنسية تم إنشاءه باعتماد الذكاء الاصطناعي.
عمل صحفي: يسرى رياحي




