في زمن تضيق فيه المساحات أمام الابتسامة الصادقة يطل علينا العمل المسرحي الجديد الزلڨة بفلڨة لفيصل بالزين المستوحى من درر الكوميديا العالمية للكاتب الكبير “أوجين لابيش” (أحد أهم أعمدة الفكاهة في العالم)، ليحفر في تفاصيل النفس البشرية ويعيد الاعتبار لتقاليد المسرح الكلاسيكي العريق في تونس.
ولاقت العروض الأولى لهذا العمل المسرحي الجديد نجاحا كبيرا واقبالا جماهريا قياسيا يعكس تعطش الجمهور الي الاعمال الكبيرة والراقية التي تضحكه ولا تضحك عليه…ووجد مع فيصل بالزين وباقي فريق العمل الضحكة الصادقة والعمل الراقي.
حكاية تبدأ بالهروب وتنتتهي بالمفاجأة الكبرى
ينطلق العرض من سؤال استفزازي طريف يحمل في طياته الكثير من العبث: ماذا يحدث لو أن رجلاً متزوجاً أفلت من رتابة البيت وقضى ليلة خارج أسواره، ليستيقظ صباحاً ليجد غريباً نائماً داخل منزله؟
لكن المفاجأة الكبرى تتصاعد حين يكتشف الرجل ومعه ذلك الغريب، عبر صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، أنهما كانا بطلين لجريمة غامضة أُرتكبت وهما في حالة سكر تام. من هنا تتوالى الأسئلة الحارقة والمحيرة: لماذا وكيف حدث ذلك؟ وما هو المصير المنتظر؟ كلها تساؤلات تجيب عنها المسرحية في قالب طريف يتأرجح بين الضحك والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان.
امتداد لجيل الأساطير ورهان على العودة للخط الأصيل
لا يقتصر سحر هذا العمل على حبكته الممتعة فحسب، بل يمتد ليربط الماضي المجيد بالحاضر؛ فهو مستوحى من مدرسة مسرحية رسخ أركانها في تونس أسماء خالدة من أمثال المرحوم عبد السلام البش وجمادي الجزيري من جيل الخمسينيات والستينيات، والذين أمتعوا الجمهور بأعمال خالصة البقاء في الذاكرة مثل “التكتيك في التشربيك”، “كلو من حماتي”، و”مرتي كلاتها القطوسة”.
وقد سعت هذه التجربة الجديدة إلى إحياء تلك الروح الجماهيرية النابضة بالطرائف والهزل والغرابة. وعن هذا التوجه، يؤكد صناع العرض أن الهدف الأساسي هو “العودة إلى مسرح الهضم هذا أن نعيش إلى الأذهان نوعية من الفكاهة تعتمد على العقدة والتشويق”.
نحو مسار الضحك المتقن
إن الرهان اليوم على “مسرح الضحك المتقن” ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة حقيقية لإعادة الجمهور إلى قاعات الثقافة، متسلحين بالنص المحكم والموقف الكوميدي النابع من صميم الواقع. ومع هذا العمل، تبدو المسرحية وكأنها تعيد التوازن للمشهد الثقافي، مؤكدة أن الضحكة الذكية تظل دائماً أقصر الطرق وأعمقها لإيصال الرسائل الإنسانية النبيلة.