خلقنا في مجتمعات تصدّر للفتيات منذ الصغر فكرة الانجاب والاعتناء بالرضع من خلال ألعاب لا تناسب سنهن ولا أفكارهن ربّما لتزرع داخل كلّ واحدة فينا غريزة الأمومة والشعور بالمسؤولية.
لكن يغفل الكثيرون عن أنّ الأمومة اختيار فردي وليس مجتمعي، وأنّ حلم الانجاب ليس واجبا يقتضي تنفيذه وأنّ الانسان مخيّر وليس مسيّر: وقبل اتخاذ هذا القرار المصيري أتساءل عن مدى وعي المجتمع بخطورة التكاثر في ظلّ أوضاع متردّية على جميع الأصعدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
لماذا ننجب؟ لماذا نذنب في حقّ أنفسنا وفي حقّ روح نزجّ بها في عالم سوداوي؟
مراحل تكوّن الجنين
رحلة تكوّن الجنين في تونس باتت تهديدا لحياته وحياة والدته في آن واحد، فلنا أن نتخيّل مصيره قبل ولادته بداية من المتابعة الطبية في المستشفيات العمومية التي تفتقر إلى أبسط المقوّمات، طوابير من النساء تنتظرن على أمل الحصول على موعد، مستشفيات داخلية دون أطباء اختصاص، عيادات دون معدّات تستوجب التنقل عديد الكيلومترات لايجاد البديل.. كم من امرأة فقدت حياتها أو حياة جنينها نتيجة انهيار المنظومة الصحية في بلادنا؟ كم من خطأ طبّي تسبّب في عاهات مستديمة لأطفال رضّع وكم وكم وكم؟
وان تمّت العملية بنجاح ننتقل على بركة الله الى رحلة البحث عن الحياة.
أوضاع معيشية هشّة
إن انجاب مولود جديد الى هذا العالم هو ارتكاب لجريمة بشعة ستكشف أركانها مع مرور الأيّام.. ذلك الطفل الذي خلق حديثا لن يكتفي بحفاظات وحليب ومتابعة طبّية ان استطاع الأهل توفيرهم، سيكبر يوما بعد يوم وتكبر معه الطلبات بداية من تسجيله في مقاعد الدراسة ونحن نعلم وضعيّة التعليم الهشّة في بلادنا اليوم على مختلف الأصعدة، وصولا الى المعهد الذي أصبح أشدّ خطورة من الشارع مع تنامي ظاهرة تعاطي المخدّرات واستهلاك الأدوية، وينتهي به المطاف في المقهى عاطلا بعد سنوات الجامعة يطارده شبح البطالة الذي يغتال طموحاته وأحلامه فلا يجد مفرّا إمّا الخضوع لمغريات العصر والدخول في سوق الممنوعات والمحرّمات أو الهجرة غير الشرعية أملا في مستقبل أفضل في بلاد الغرب.
لا لتحمّل المسؤولية والحدّ من الحرية
الانجاب مسؤولية كبيرة تتطلّب الكثير من الوعي والصبر والوقت والتضحيات في سبيل تكوين شخصية وملامح طفل جديد يضاف الى شجرة العائلة، وهذه المسؤولية لا تقتصر فقط على الرعاية والاهتمام والمشاعر بل تحتاج المال بل الكثير من المال في ظلّ ما نعيشه من مفارقات حياتية يومية: ومن منّا قادر اليوم على تحمّل مسؤولية نفسه ليتحمّل عبئا آخر؟
وربّما تشجيعي لـ “اللاانجابية” نابع أيضا من ايماني بأنّ حريّتي فوق كلّ شيء ولن أسمح لأيّ ظرف من الظروف أن يستنقص منها، أريد أن أعيش حرّة منطلقة بلا قيود ولا مسؤوليات، أهتمّ بشؤوني الخاصة أسافر أينما شئت أنام وقتما شئت، أحقّق طموحاتي دون التفكير في مدى ملاءمتها لحياتي العائلية.
أنانية الأهل ضحيّتها الطفل
وقبل أن أكتفي بسرد أسباب رفضي الانجاب، أكاد أن أجزم أنّ نسبة كبيرة من دوافع الانجاب هي تحقيق ما فشل الأهل في تحقيقه من خلال طفل يولد فقط لتعويض ما عجزوا عنه سواء في الدراسة في العمل في صقل موهبة ما: أنانية الأهل يدفع الطفل ثمنها لاحقا ليجد نفسه مجبرا على قراراتهم مسلوبا حرّية الاختيار مؤمنا بمبادئ وقيم موروثة دون البحث في متغيّرات العصر.
والسؤال الأهمّ أليس من الأنانية انجاب طفل دون استشارته ما اذا كان يريد مجابهة العالم دون أن يختار اسمه ولا دينه ولا جنسيته.. ولو أنّ في هذا التساؤل جانب من الخيال لكن أغلبنا راودته هذه الأفكار وأغلبنا يلوم الأهل ‘لماذا أنجبتمونا’؟
قرار الانجاب
في نهاية المطاف وفي ظلّ ما يعيشه العالم من حروب وخراب ودمار وانهيار في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قرار الانجاب يبقى ضربا من الجنون وجريمة في حقّ الأطفال المقبلة على حياة لا تشبه ما عشناه في عقود مضت، فكفانا أنانية ولننقذ ما يمكن إنقاذه ونكتفي بهذا القدر من التكاثر.
وبما أنّ قراري شخصي وأفكاري تلزمني رجاء من المجتمع أن يدع داعمي “اللاانجابية” في سلام فلسنا مجبرين على تبرير مواقفنا لأحد ولا يحقّ لأيّ كان أن يشكّك في اختياراتنا وقناعاتنا.
أميرة الشارني
مزيدا من الأخبار على التونسية
