
سجّلت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية التابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين انخفاضا ملحوظا في عدد الاعتداءات الموثقة ضد الصحفيين/ات خلال شهر ماي 2026، حيث تم تسجيل 5 اعتداءات فقط، مقابل 18 حالة خلال شهر أفريل الماضي، ما يعكس تراجعا كميا لافتا في نسق الانتهاكات الميدانية.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير الشهري، فإن طبيعة الاعتداءات المسجلة لم تخرج عن الأنماط التقليدية التي ترافق العمل الصحفي في تونس، إذ تمثلت أساسا في المنع من العمل، وعرقلة الحصول على المعلومات، إلى جانب حالات تتبعات قضائية مرتبطة بالنشاط الصحفي، وهي ممارسات تطرح إشكالا مستمرا يتعلق بحدود ممارسة حرية التعبير في الفضاء العمومي.
وبالرغم من هذا التراجع العددي، فانه لا يعكس تحسنا هيكليا في وضعية حرية الصحافة بالضرورة ، بقدر ما قد يكون مرتبطا بعوامل ظرفية، منها تغير وتيرة التغطية الإعلامية في الفترات الفارطة، أو تراجع الاحتكاك المباشر في الميدان والنطاق العمومي، أو حتى تحولات في أنماط التضييق نفسها نحو أشكال أقل ظهورًا وأكثر إجرائية.
في هذا السياق، يثير التقرير جملة من الأسئلة حول طبيعة البيئة القانونية والمؤسساتية المنظمة للعمل الصحفي في تونس.
فإلى أي مدى يعكس انخفاض عدد الاعتداءات تحسنًا فعليًا في مناخ الحرية الإعلامية؟ وهل يتعلق الأمر بتراجع في الانتهاكات أم بتحول في طرق ممارستها؟ وما مدى فاعلية الآليات القانونية الحالية في ضمان النفاذ إلى المعلومة وحماية الصحفيين من الضغوط الإدارية والقضائية؟
كما يسلّط المؤشر المذكور آنفا الضوء على إشكالية متكررة في المشهد الإعلامي التونسي، تتمثل في انتقال مركز الثقل من العنف المادي المباشر إلى أشكال غير مباشرة من التضييق، خاصة ما يرتبط بالإجراءات القضائية وحجب المعلومات، وهو ما يجعل قياس حرية الصحافة اعتمادا على المؤشرات الكمية وحدها غير كافٍ لتشخيص الوضع الفعلي أو الحقيقي.
ويخلص متابعون للشأن الإعلامي إلى أن تحسين المؤشرات العددية، رغم أهميته، يظل غير كاف ما لم يترافق مع إصلاحات أعمق تضمن استقلالية المؤسسات، وتدعم الشفافية الإدارية، وتحدّ من استخدام الآليات القانونية كأداة ضغط على العمل الصحفي.
في المحصلة، يعكس تقرير شهر ماي 2026 صورة مزدوجة قد تترجم واقع غير متجانس بين تراجع في عدد الاعتداءات الموثقة من جهة، واستمرار إشكالات بنيوية تمس جوهر حرية الصحافة من جهة أخرى، ما يجعل السؤال الجوهري المطروح حول مدى استدامة هذا التحسن امام تطورات المرحلة المقبلة.
التقرير عبر هذا الرابط: تقرير شهر ماي 2026
خولة الكلاحشي




