“أشجار تودّع ظلالها”… عادل الجريدي يكتب القصة القصيرة جدًا بعين القنّاص

في مشهد أدبي يتّجه بثبات نحو التكثيف والاقتصاد في اللغة، صدرت عن دار الفردوس للنشر والتوزيع المجموعة القصصية الجديدة للكاتب التونسي عادل الجريدي بعنوان “أشجار تودّع ظلالها”، في عمل يراهن على فنّ القصة القصيرة جدًا كأحد أكثر الأشكال السردية قدرة على ملامسة القارئ المعاصر.
الكتاب، الذي جاء في 96 صفحة، يضمّ بين دفّتيه ثمانين قصة قصيرة جدًا، توزّعت على نصوص مكثّفة، سريعة الومض، لكنها عميقة الأثر. وقد قدّم له الناقد الجزائري الدكتور علاوة كوسة، الذي وضع العمل في سياق التحولات التي يعرفها السرد العربي، خاصة في ما يتعلّق بانزياحه نحو الأشكال المختصرة ذات الحمولة الدلالية العالية.
كتابة تقتنص اللحظة
ما يلفت في هذه المجموعة هو أسلوب عادل الجريدي ، الذي يمكن وصفه بـ”عين القنّاص”، حيث لا مجال للإطناب أو الحشو، بل جمل مقتضبة تصيب هدفها بدقة. كل قصة تبدو كرصاصة سردية، تحمل في داخلها شحنة من المعنى، وتترك خلفها صدى من الأسئلة أكثر من الأجوبة.
لا يسعى الكاتب إلى تقديم حكايات مكتملة بقدر ما يفتح نوافذ صغيرة على عوالم إنسانية متشظّية:
لحظات عابرة تتحوّل إلى مفاتيح تأويل
مفارقات يومية تنقلب إلى أسئلة وجودية
صور شعرية تتقاطع مع الواقع القاسي
بين السؤال والدهشة
القاسم المشترك بين نصوص المجموعة هو قدرتها على إثارة القلق الجميل لدى القارئ. فهذه القصص لا تُقرأ فقط، بل تُستعاد وتُفكّك، لأنها تشتغل على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصمت بقدر اشتغالها على اللغة.
الجريد هنا لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يذكي جذوة السؤال، ويضع القارئ في موقع الشريك في إنتاج المعنى. وهو خيار جمالي يعكس وعياً بطبيعة هذا الجنس الأدبي، الذي يقوم أساسًا على المفارقة، والاختزال، والدهشة.
تجربة سردية متماسكة
رغم تعدّد النصوص (80 قصة)، فإن المجموعة تحافظ على وحدة داخلية من حيث الروح والأسلوب، حيث تتكرّس ثيمات مثل:
الغياب والحنين
هشاشة الإنسان
عبثية بعض التفاصيل اليومية
العلاقة المعقّدة بين الظلّ والنور (كما يوحي العنوان)
العنوان نفسه، “أشجار تودّع ظلالها”، يحمل بعدًا رمزيًا كثيفًا، يفتح الباب أمام قراءات متعددة: هل نحن أمام وداع للثبات؟ أم انفصال عن الذات؟ أم لحظة تحوّل وجودي؟
إضافة نوعية لفن القصة القصيرة جدًا
بهذا الإصدار، يواصل عادل الجريد ترسيخ حضوره في مشهد القصة القصيرة جدًا، مؤكّدًا أن هذا الفن لم يعد مجرد تجربة هامشية، بل أصبح فضاءً حقيقيًا للإبداع والتجريب.
“أشجار تودّع ظلالها” ليست مجرد مجموعة قصصية، بل تجربة قراءة مختلفة، تتطلّب قارئًا يقظًا، مستعدًا للغوص في ما وراء الكلمات، والتقاط ما لا يُقال بقدر ما يُكتب.
في النهاية، نحن أمام عمل يثبت أن القصة، مهما قصُرت، يمكن أن تكون عميقة بما يكفي لتهزّ الداخل وتترك أثرًا لا يُمحى.


